الآلوسي

13

تفسير الآلوسي

الحقيقة ونفس الأمر وأما ما يظهر بخلافه فليس إكراهاً حقيقياً ، وجوز أن تكون إخباراً في معنى النهي أي لا تكرهوا في الدين وتجبروا عليه وهو حينئذٍ إما عام منسوخ بقوله تعالى : * ( جاهد الكفار والمنافقين ) * ( التوبة : 73 ) وهو المحكي عن ابن مسعود وابن زيد وسليمان بن موسى ، أو مخصوص بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية - وهو المحكي عن الحسن وقتادة والضحاك - وفي سبب النزول ما يؤيده فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما " أن رجلاً من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلاً مسلماً فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية ؟ فأنزل الله تعالى فيه ذلك " . وأل في ( الدين ) للعهد ، وقيل : بدل من الإضافة أي دين الله وهو ملة الإسلام ، وفاعل الإكراه على كل تقدير غيره تعالى ، ومن الناس من قال : إن المراد ليس في الدين إكراه من الله تعالى وقسر بل مبني الأمر على التمكين والاختيار ولولا ذلك لما حصل الابتلاء ولبطل الامتحان فالآية نظير قوله تعالى : * ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ) * ( الكهف : 29 ) وإلى ذلك ذهب القفال . * ( قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ منَ الْغَيِّ ) * تعليل صدر بكلمة التحقيق لزيادة تقرير مضمونه أي قد تميز بما ذكر من نعوته تعالى التي يمتنع توهم اشتراك الغير في شيء منها الإيمان من الكفر والصواب من الخطأ و - الرشد - بضم الراء وسكون الشين على المشهور مصدر - رشد - بفتح الشين يرشد بضمها ، ويقرأ بفتح الراء والشين ، وفعله رشد يرشد مثل علم يعلم وهو نقيض - الغي - وأصله سلوك طريق الهلاك ، وقال الراغب ، هو كالجهل إلا أن الجهل يقال اعتباراً بالاعتقاد ، والغي اعتباراً بالأفعال ، ولهذا قيل : زوال الجهل بالعلم ، وزوال الغي بالرشد ، ويقال لمن أصاب : رشد ، ولمن أخطأ غوى ، ويقال لمن خاب : غوى أيضاً ، ومنه قوله : ومن يلق خيراً يحمد الناس أمره * ومن يغو لم يعدم على الغي ( لائماً ) * ( فَمَن يَكْفُرْ بالطَّاغُوت ) * أي الشيطان وهو المروي عن عمر بن الخطاب والحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وبه قال مجاهد وقتادة وعن سعيد بن جبير وعكرمة أنه الكاهن ، وعن أبي العالية أنه الساحر ، وعن مالك بن أنس كل ما عبد من دون الله تعالى ، وعن بعضهم الأصنام ، والأولى أن يقال بعمومه سائر ما يطغى ، ويجعل الاقتصار على بعض في تلك الأقوال من باب التمثيل وهو بناء مبالغة كالجبروت والملكوت ، واختلف فيه فقيل : هو مصدر في الأصل ولذلك يوحد ويذكر كسائر المصادر الواقعة على الأعيان - وإلى ذلك ذهب الفارسي - وقيل : هو اسم جنس مفرد فلذلك لزم الإفراد والتذكير - وإليه ذهب سيبويه - وقيل : هو جمع - وهو مذهب المبرد - وقد يؤنث ضميره كما في قوله تعالى : * ( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ) * ( الزمر : 17 ) وهو تأنيث اعتباري واشتقاقه من طغى يطغى أو طغى يطغو ومصدر الأول : الطغيان . والثاني : الطغوان ، وأصله على الأول : طغيوت ، وعلى الثاني : طغووت فقدمت اللام وأخرت العين فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فقلب ألفاً فوزنه من قبل فعلوت والآن فلعوت ، وقدم ذكر الكفر بالطاغوت على ذكر الإيمان بالله تعالى اهتماماً بوجوب التخلية أو مراعاة للترتيب الواقعي أو للاتصال بلفظ الغي . * ( وَيُؤْمن بالله ) * أي يصدق به طبق ما جاءت به رسله عليهم الصلاة والسلام * ( فَقَد اسْتَمْسَكَ ) * أي بالغ في التمسك حتى كأنه وهو متلبس به يطلب من نفسه الزيادة فيه والثبات عليه * ( بالْعُرْوَة الْوُثْقَى ) * وهي الإيمان - قاله مجاهد - أو القرآن - قاله أنس بن مالك - أو كلمة